قرية رغدان
الرئيسية
قرية رغدان
ألبوم الصور
كتّاب ومقالات
مركز التحميل
عضوية الأهالي
أرشيف الأخبار
اتصل بنا
هيئة التحرير






مدرجاتُ الباحةِ الزراعيةِ لوحاتُ فنيةُ جفّتْ ألوانُها!

(الباحة اليوم) تقرير - جمعان الكرت 

لمحة تاريخية
تعود البدايات التاريخية الاولى لفكرة " المصاطب" المدرجات الزراعية إلى القرون التي سبقت الميلاد، بعد أن تحول الانسان من حياة الصيد " عدم الاستقرار" إلى حرفة يتطلب الانسان البقاء والاستقرار في مكان ثابت ليبتكر حرفة الزراعة.

لماذا بُنيت المدرجات؟
الهدف من اقامة المدرجات الزراعية على السفوح الجبلية في أي موقع جبلي على سطح الكرة الأرضية هو صيانة التربة وحمايتها من الانجراف والتعرية وحفظ مياه الأمطار والحد من انسيابها السطحي وتسربها الداخلي مع تغذية الينابيع والجداول باستمرارية تدفقها ودعم الاحتياط المائي في الآبار السطحية وتحسين خواص التربة الفيزيائية والكيميائية ورفع خصوبتها فضلا عنه أهميتها في الحفاظ على التنوع الحيوي والنباتي والحيواني ودعمه وحماية الطرقات الجبلية من الانهيار وتسهيل عملية الصرف والري وضبط جريان مياه الأمطار.

ولتنفيذ إنشاء المدرجات يُحدد مسار المدرج من أعلى المنحدر – القمة – ثم المدرج الذي يليه وصولا إلى أسفل الجبل، يتم بناء الجدران بالأحجار بطريقة منظمة يختلف ارتفاعها بحسب مستوى انحدار سفح الجبل.

أنواعها

1- المدرجات الأفقية التي تتماشى مع خطوط الكنتور لسفوح الجبال وقد تكون ضيقة أو متسعة .

2- المدرجات المنحدرة تسمح بجريان المياه في المدرج.

3- المدرجات المنسدلة وفق تدرج انحداري بسيط يختلف عرضها باختلاف التفاف الكنتور.

4- المدرجات الحجرية وهي أقدم المدرجات الزراعية منذ العصور التاريخية الأولى للزراعة وتنتشر في الأراضي الشديدة الانحدار وتبنى جدرانها حسب المنحدر بالحجارة وتملأ الفراغات بالتربة الزراعية وتتطابق الجدران مع الخطوط الالتفافية لسفح الجبل وهذا النوع يتطابق والمدرجات في سفوح جبال سراة الباحة.

ونلحظ أن بعض السفوح الجبلية في منطقة الباحة يتم استزراع التين الشوكي والهدف الحفاظ على التربة وحماية انجراف مياه الأمطار والتخفيف من تدفقها.
ويتوقف انتقاء الأنواع الملائمة لزراعة المدرجات على الشروط البيئية والمناخية والطبوغرافية والاجتماعية حيث تزرع النباتات المتكيفة مع البيئة.

"وصف المدرجات الزراعية على سفوح جبال الباحة"

تعد(المصاطب) المدرجات الزراعية المبنية فوق سفوح جبال سراة منطقة الباحة لوحة جمالية رسمها المزارعون بإتقان على سفوح جبال السراة بأدواتهم البسيطة لتأخذ أشكالا هندسية متنوعة تشد أهداب العيون ، ويمكن تصنيفها كواحدة من التراث البشري الذي ينبغي الحفاظ عليه كإرث مادي وثقافي وزراعي وجمالي ، حيق تتناسق الجدران مع التدرج في مستوى انحدار الجبال، وكانت إلى وقت قريب سلة غذاء هامة تنتج الحبوب والفواكه طوال العام ويحتفظ الأهالي في ذاكرتهم ما كانت عليه من اخضرار حيث تمتلئ بمحاصيل الذرة والحنطة والشعير والعدس ، فغدت أحد أهم عناصر الجمال تتكامل مع العمران الذي يحف بها مما يزيد الأمل في استثمار هذا الجمال بإقامة منتجعات على حوافها تحقق المتعة البصرية للزائرين والاكتفاء الذاتي من المحاصيل المتنوعة.

وهي بلا شك - أي المدرجات - أحد المكونات الجمالية والهندسية والزراعية والتراثية، حيث يعود بناؤها إلى آلاف السنين منذ أن استقر إنسان الباحة في تلك المواقع، ولما يتمتع من ذكاء وقدرات تمكن من التوافق مع الطبيعة الصعبة وتعامله الذكي مع انحدارها وصلابة صخورها وتطويعها لصالحه وساعدهم على ذلك توفر البيئة الجبلية القابلة لبناء مصاطب على سفوحها، لينشئ مدرجات تأخذ أشكالا عدة ومساحات متنوعة بحسب طبوغرافية المكان، إذ تضيق في المواقع الشديدة الانحدار وتتسع بالقرب من مجاري الأودية.

وكانت فيما مضى رائجة زراعة الحبوب كالحنطة والشعير والذرة والعدس، وتصنف إلى نوعين العثري وعادة تكون في مواقع مرتفعة ويعتمد المزارعون على مياه المطر، ومسقوي التي يتم سقيا المحاصيل بالأسلوب التقليدي حيث ينتزع الماء بواسطة الغرب" وعاء كبير من الجلد" مربوط عبر حبال موثقة تصل إلى بكرة يطلق عليها "دارجة" موصلة في مصلبة تجمع بين ثورين يقومان بجر الغرب في المجرة ذهابا واياباً وبعد امتلائه بالماء يُصب الماء في القف لتسير إلى الفلج ويتوزع بعدها في قنوات مائية أصغر لتصل إلى كامل القصاب "جمع قصبة" وهي مساحة مربعة تقريبا محاطة بتل طيني من جميع جوانبها، ويتكون الركيب أو البلاد بحسب مسماها في تلك القرى من باحة مليئة بالتربة يحيطها من الجانب الأسفل بجدار مبني من الحجارة يسمى عراق جمعها عرق بضم الميم وكذلك معارق، وفي أطراف الركيب الداخلية السند وهو الذي يسند المدرج الذي يعلوه، والمدرجات في مجملها لوحة أنيقة تعطي دلالة على مهارة الذين بنوها وتعاونهم وتكاتفهم ولم يغفل البناؤون وضع سلالم حجرية ليسهل الصعود إلى المدرجات الواقعة في مناطق مرتفعة، وهناك اتفاق جماعي في حالة تعرض الجدران للهدم من جراء مياه السيول إذ يلتزم مالك الحيازة (الركيب) بناء جدران ركيبه كي لا يقع الضرر على جارة وفي الوقت نفسه يستمر في زراعة حقله ولا يقتصر مهام تلك المدرجات على الزراعة فقط بل يستفاد منها في حفظ مياه الأمطار فكانت بمثابة السدود مما يدلل على استبعاد أهالي سراة الباحة فكرة بناء السدود، ولم يغفلوا عمل قنوات مائية كي تصل المياه إلى المزارع القريبة من مجار الأودية.

والأهالي يعتنون بمصاطبهم اعتناء فائقا من حيث تنظيفها وإزالة الشوائب من الأعشاب والشجيرات الصغيرة استعدادا لمواسم أخرى، وبقيت تلك المدرجات مئات السنين سلة غذاء هامة لسكان السراة وتصدير الفائض إلى المدن المجاورة الطائف جدة، وخصوصا مكة المكرمة وقد ذكر ابن جبير في كتابه أيضاً كلاماً وافق فيه ابن بطوطة فيما ذهب إليه من حيث وصف البلاد والعباد فقال: هم قبائل يستعدون للوصول إلى هذه البلدة المباركة( أي مكة المكرمة) قبل حلولها بعشرة أيام ( أي عمرة رجب) ، فيجمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة وسائر الحبوب ، ويجلبون السمن والعسل والزبيب واللوز ، فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة، ولولا هذه الميرة لكان أهل مكة في شظف من العيش.

بالفعل كانت تملأ العين سرورا والقلب بهجة سواء في الصيف أم الخريف إذ تكتنز مصاطبها بسنابل القمح و أكواز الذرة بنوعيها البيضاء والصفراء،
ومع الأسف الشديد في السنوات الأخيرة أهملت الزراعة وبالتالي أهملت المدرجات الزراعية وامتلأت بالأحراش والأشجار الشوكية وأصبحت قذى في العين بعد أن كانت تملأ الروح بهجة وسرورا بل الكثير منها تهدم وزحفت عليها المباني الإسمنتية، وهنا يتطلب العناية بها وإعادة ما تهدم من جدرانها سواء بتشجيع الأهالي أو بإنشاء شركات زراعية خصوصا وأن مناخ سراة الباحة مناسب جدا لزراعة الزيتون اللوز الحماط العنب فضلا عن أنواع الحبوب والخضروات
والمعروف أن الأرض وفية متى تم الاهتمام بها وكان الأجداد والآباء أكثر وفاء لها والآن ماذا عسانا فاعلون؟

الزراعة بحسب المفاهيم الاقتصادية هي أم الاقتصاد، كما أن الحضارة الانسانية قامت على الزراعة بل أن أكثر الدول الصناعية لم تغفل الزراعة باعتبار الزراعة هي مصدر الأمن الغذائي.

والسؤال المهم بالنسبة لتلك المدرجات المهملة والتي تجوبها الرياح وتملؤها النبات العديمة الفائدة هل يمكن أن تصبح خميلة خضراء تسر الناظرين بما تنتجه من محاصيل زراعية متنوعة سيما وأن التربة ذات خصوبة عالية. وتزيد من رصيد السياحة في الباحة بأشكالها واللمسات الفنية والهندسية التي تحقق الامتاع البصري.

طموح

هل يمكن تطوير وتأهيل المدرجات الزراعية في الباحة؟

لا شك أن برنامج تأهيل المدرجات الزراعية المقترح يسهم في إنتاج محاصيل استراتيجية مهمة تلبي أهداف الأمن الغذائي ومتطلبات التنمية الزراعية المستدامة، بالإضافة إلى تحسين ظروف المزارعين الاقتصادية , وزيادة كفاءة استخدام مياه الأمطار وتوفير فرص عمل للمواطنين , وتطوير النشاط الزراعي في تلك المناطق والحد من الهجرة إلى المدن تطوير وتأهيل المدرجات الزراعية في الجنوب الغربي من المملكة لأجل إنتاج بعض المحاصيل الاستراتيجية باستخدام الطرق والتقنيات المناسبة لحصاد مياه الأمطار.

وباستصلاح المدرجات الزراعية يتحقق تفعيل السياحة الزراعية مع خدمة المزارعين لتقديم منتجاتهم للزائرين فضلا عن كونها من عوامل الجذب السياحي لتميزها الجمالي كونها منجز بشري ينبغي الحفاظ عليه كإرث ذا قيمة يسهم في تطوير السياحة الزراعية بإيجاد منتجعات زراعية وأنظمة زراعية تقوم على التنمية الزراعية المستدامة .

"بادرة "

ولعل مبادرات وزارة البيئة والمياه والزراعة الساعية "لتأهيل المدرجات الزراعية وحصاد مياه الامطار" في المناطق المستهدفة ، الباحة الطائف عسير جازان بهدف تحقيق التعاون مع المزارعين من أجل توفير المياه من خلال حصاد مياه الامطار بعدة طرق "خزانات خرسانية ،عقوم ، بناء وتحسين المدرجات القائمة، مع المساهمة في زراعة المحاصيل والفاكهة مع برنامج تحسين وادخال أصناف ذات إنتاجية عالية. وتكوين جمعيات أهلية للمدرجات يتم من خلالها تسهيل للمزارع للمدخلات الزراعية فضلا عن بناء 200 سد، وتوصيل قنوات مائية من السدود القائمة.

وفي إطار المبادرة ستتولى شركة عالمية دراسة ومسح المناطق ثم بعد ذلك ستتولى الشروع في تنفيذ المناطق المستهدفة ، وحتى يتحقق لتلك الورش - التي نظمت لهذا الغرض - أهدافها يستحسن إعادة بناء الأجزاء المتضررة من هذه المدرجات ووضع حواجز مائية لحفظ مياه الأمطار ومنح القروض الزراعية وتوفير آلات زراعية حديثة تناسب العمل على المدرجات الجبلية، مع توفير الشتلات الزراعية وبيعها بسعر رمزي، وتقديم خدمات الإرشاد الزراعي لضمان نجاح هذا المشروع الوطني.

السؤال الجوهري هل يمكن إعادة جمال وبهاء المدرجات الزراعية؟ لتتحول إلى خمائل خضراء تسر الناظرين، أم تبقى لوحات باهتة الألوان؟